الكون يتناغم مع المؤمن :

0
الكون يتناغم مع المؤمن :






الإنسان المسلم الطائع له صلة بالكون ، لأن الكون من مصادر المعرفة ، والمعرفة لها مصدران هما :
الأول : الشريعة الإسلامية ومصدرها الوحي المتمثل في القرآن الكريم والسنة النبوية .
المصدر الثاني : المعرفة الطبيعية ومصدرها الكون ، قال تعالى : ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد)([1]). 
وقال تعالى : ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) ([2] ).  وقال تعالى : ( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت ) ([3] ). 
وصلة المسلم مع الكون لا تقف عند حدود مصدرية المعرفة بل تتعداها إلى صلة المحبة ، بيننا وبين الكون نسب من المحبة .
قال الرسول – صلى الله عليه وسلم – : ( أُحدٌ جبل يحبنا ونحبه )
وقال تعالى لنبيه داود عن الجبال والطير : ( يا جبال أوبي معه والطير )
وحديث ابن مسعود : كنت أمشي في مكة فأرى حجراً أعرفه ما مر عليه  الرسول – صلى الله عليه وسلم – : مرة إلا وسمعته بأُذني يقول : " السلام عليك يا رسول الله " وهذا الحجر قال عنه الرسول – صلى الله عليه وسلم – : ( إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أُبعث إني لأعرفه الآن ) ([4] ). 
وصُنع لرسول الله– صلى الله عليه وسلم – : منبراً من خشب بعد أن كان يخطب للناس على جذع نخلة ، فلما انتقل إلى المنبر الجديد سُمع للجذع أنينُ كأنين الناقة التي فقدت ولدها ، فسمع الصحابة بكاء الجذع ، ولولا أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – : وضع يده الشريفة عليه ما سكن وما هدأ ولظل يبكي ويسمع الناس بكاءه إلى يوم القيامة .
وللصلة الروحية بين المسلم والكون السماء والأرض تتحسر على فراق المسلم ويكون ذلك بالبكاء عليه .
قال الإمام علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – : " إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان : موضع في السماء ، وموضع في الأرض .
أما موضع السماء : فمصعد عمله الطيب .
ويقول ابن عباس : " ليس أحدٌ من الخلائق إلا وله باب في السماء منه ينزل رزقه ، وإليه يصعد عمله ، قال تعالى : ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) ([5] ).   
وقال تعالى : ( وفي السماء رزقكم وما توعدون ) ([6] ).   فإذا مات الإنسان أغلق هذا الباب الذي كان ينزل منه الرزق ويصعد منه العمل .
أما موضع الأرض : فهو موضع سجوده وصلواته ، لأنه يكون قد فقد المسبح والذاكر لله .
ويقول ابن عباس : " وتبكي عليه الأرض أربعين صباحاً " .
قال تعالى : ( فلما تراء الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ) ([7] ).    
أي فلما تقابل الجمعان بحيث يرى كل فريق الآخر قال : أصحاب موسى إنا لهالكون ، قال لهم تثبيتاً للأقدام وتطميناً للقلوب ، وكان البحر أمامهم والعدو من خلفهم عند ذلك أمر الله موسى أن يضرب البحر بعصاه فانفلق البحر – بحر القلزم البحر الأحمر الآن – عقب الضرب مباشرة وصار فيه اثنا عشر طريقاً وتوقفت حركة المياه ، دخل فرعون وأصحابه وراء موسى وأتباعه داخل البحر على أثرهم فغرق فرعون وأصحابه جميعا ولم ينجو منهم أحد .
من هنا نعلم أن البحر تناغم مع موسى وقومه ، ولم يتناغم مع فرعون وقومه .
بخلاف الإنسان الكافر السماء والأرض لا تبكيان عليه ، قال تعالى عن فرعون وقومه : ( كم تركوا من جنات وغيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها بني إسرائيل فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين ) ([8] ).    
بل وصل الأمر إلى أن الأرض لم ترض بدفن بعض جثث الموتى من النصارى المرتدين .
      عن أنس – رضي الله عنه – قال : كان رجلاً نصرانياً فأسلم على عهد رسول الله وقرأ البقرة وآل عمران وكان يقول : ما أرى يحسن محمدٌ إلا ما كنت أكتب له فأماته الله – عز وجل – فأقبروه فأصبح قد لفظته الأرض قالوا : هذا عمل محمد وأصحابه إنما لم يرض دينهم نبشوا عن صاحبنا فأتوه ، قال : فحفروا له فأعمقوا فأصبح وقد لفظته الأرض فقالوا : هذا عمل محمد وأصحابه نبشوا عن صاحبنا فألقوه ، قال : فحفروا له فأعمقوا في الأرض ما استطاعوا فأصبح وقد لفظته الأرض فعلموا أنه ليس من الناس وأنه من الله عز وجل فألقوه . 
عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه قال:  ( بينما ثلاثة نفر يتمشون أخذهم المطر، فأووا إلى غار في جبل ، فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل، فانطبقت عليهم، فقال بعضهم لبعض : انظروا أعمالاً عملتموها صالحة لله فادعوا الله تعالى بها لعل الله يفرجها عنكم ، فقال أحدهم : اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران وامرأتي، ولي صبية صغار أرعى عليهم ، فإذا أرحت عليهم حلبت فبدأت بوالدي فسقيتهما قبل بَنِيَّ ، وأنه نأى بي ذات يوم الشجر فلم آت حتى أمسيت فوجدتهما قد ناما ، فحلبت كما كنت أحلب ، فجئت بالحلاب ، فقمت عند رؤوسهما أكره أن أوقظهما من نومهما ، وأكره أن أسقي الصبية قبلهما، والصبية يتضاغون عند قدمي ، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها فرجة نرى منها السماء ، ففرج الله منها فرجة فرأوا منها السماء ، وقال الآخر : اللهم إنه كانت لي ابنة عم أحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء ، وطلبت إليها نفسها فأبت حتى آتيها بمائة دينار، فتعبت حتى جمعت مائة دينار، فجئتها بها ، فلما وقعت بين رجليها قالت : يا عبد الله اتق الله ، ولا تفتح الخاتم إلا بحقه ، فقمت عنها ، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها فرجة ، ففرج لهم ، وقال الآخر: اللهم إني كنت استأجرت أجيراً بفرق أرز، فلما قضى عمله، قال :  أعطني حقي فعرضت عليه فرقه ، فرغب عنه ، فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقراً ورعاءها، فجاءني ، فقال : اتق الله ولا تظلمني حقي ، قلت : اذهب إلى تلك البقر ورعائها فخذها، فقال : اتق الله ، ولا تستهزئ بي ، فقلت : إني لا أستهزئ بك ، خذ ذلك البقر ورعاءها ، فأخذه فذهب به ، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا ما بقي ، ففرج الله ما بقي )([9] ).   



[1] - فصلت : 53 .
[2] - الذاريات : 21 .
[3] - الغاشية : 17، 20 .
[4] - رواه مسلم من طريق جابر بن سمرة  .
[5] - فاطر : 10 .
[6] - الذاريات : 22 .     
[7] - الشعراء : 61 ، 63 .
[8] - الدخان : 25 ، 29  .
[9] - رواه البخاري (2165)، ومسلم (4926) واللفظ له.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظه © الشيخ السيد الزلوع

تصميم الورشه